مؤيد الدين الجندي

530

شرح فصوص الحكم

بمشاهد الحسّ عرفا عاديا وتحقيقا أيضا ، لأنّ هويته الله ، وهو أحدية جمع اللاهوت والروحية والصورة ، فيضاف إليه حقيقة من حيث هويته اللاهوتية ، فافهم . قال - رضي الله عنه - : « كما ظهر هو عن صورة أمّه » . يعني - رضي الله عنه - : في المعتاد من إيلاد الأولاد ، وبهذا الوجه أضيف إلى أمّه ونسب إليها ، فقيل فيه : إنّه عيسى بن مريم ، وهكذا إضافة الإحياء إلى الصورة العيسوية النافخة للإحياء . قال - رضي الله عنه - : « وكان إحياؤه أيضا متوهّما أنّه منه ، وإنّما كان من الله ، فجمع لحقيقته - التي خلق عليها كما قلناه - أنّه مخلوق من ماء متوهّم وماء محقّق ، ينسب إليه الإحياء بطريق التحقيق من وجه وبطريق التوهّم من وجه ، فقيل فيه من طريق التحقيق : « وتحيي الموتى » و [ قيل ] فيه من طريق التوهّم : * ( فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي ) * « 1 » فالعامل في المجرور يكون « تكون » لا « تنفخ » « 2 » ويحتمل أن يكون العامل فيه « تنفخ » فيكون طائرا من حيث صورته الجسمية الحسّية » . يشير - رضي الله عنه - إلى إنّه لمّا كان أصل خلقته من متحقّق ومتوهّم ، ظهر ذلك في فعله الذي هو فرع عليه متوهّم الإضافة إليه من وجه ، ومتحقّق الإضافة إليه أيضا من آخر ، فاعتبر الحق في العبارة المعجزة القرآنية كلا الوجهين ، لكونهما من مقتضى أصل خلقته ، فقال في الأوّل * ( فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي ) * « 3 » فكان التقدير يكون المنفوخ فيه بإذن الله طائرا ، فيكون العامل في المجرور - أعني « بإذن الله » - « تكون » لا « تنفخ » ، فيكون الموجب لكونه [ طيرا ] بإذن الله ، فيكون طائرا بنفخه . سرّ للخواصّ - اعلم : أنّ حقيقة الإذن أمر من الله ، يمكَّن المأذون له من إيجاد الفعل الخارق للعادة الذي لا يضاف إلَّا إلى الله عرفا عاديا ، ثمّ إنّ تمكين الله - تعالى - للعبد وأمره بذلك إنّما يكون بخصوص استعداد ذاتي للعبد من حيث صورته المعلومية

--> « 1 » المائدة ( 5 ) الآية 110 . بإذني . « 2 » في بعض النسخ : لا قوله : « تنفخ » . « 3 » المائدة ( 5 ) الآية 110 . بإذني .